
سوسن مهنا صحافية
ضجت وسائل التواصل الاجتماعي، بخبر استقالة مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق، في "حزب الله" وفيق صفا، في سابقة هي الأولى من نوعها داخل هذا الحزب، لا بوصفه تبديلاً إدارياً عابراً، بل كحدث استثنائي يكسر أحد أكثر المحرمات صلابة داخل "الحزب، وهو خروج مسؤول أمني وسياسي من الحلقة الصلبة للحزب في ذروة تخبطه داخل أزماته، بعدما بدا أن أحداً لا يترك الحزب وهو على قيد الحياة، ومن سبق وتركوا مناصبهم قتلتهم إسرائيل باغتيال مباشر.
وكانت "اندبندنت عربية" تواصلت مع أحد المصادر المقربة من الحزب، الذي أكد أن الاستقالة كانت منذ شهرين، ولكن مجلس شورى الحزب وافق عليها أخيراً. وأن المعلومات المتداولة عن تعيين المسؤول في وحدة العلاقات الدولية الدكتور أحمد مهنا، وهو مساعد النائب محمد رعد، غير دقيقة. وأن من سيحل مكان صفا سيعلن عنه في بيان رسمي كما جرت العادة داخل الحزب.
ويتابع المصدر أنه من المعلوم أن الحزب اليوم، ليس هو الحزب ما قبل "حرب الإسناد"، والأعمال التنظيمية تجري على قدم وساق، ومنذ ثلاثة أشهر، بما يتناسب مع طبيعة المرحلة التي يمر بها لبنان والمنطقة، وقبول استقالة صفا جاءت بعد إصراره، وبسبب إعادة هيكلة الحزب التي ستكون واضحة شكلاً ومضموناً.
قبل أشهر، خرجت تقارير لتتحدث عن تقليص صلاحيات صفا منذ بداية التغييرات التي حصلت داخل هيكل الحزب، وقيل إن صلاحياته انتقلت إلى حسين أبو رضا المعروف سابقاً بـ"الحاج ساجد"، فيما أفادت وسائل إعلام محلية أن بديله كرئيس للوحدة هو حسين العبدالله، أو حسين بردى، ولكن لم يصدر حتى اللحظة أي تأكيد أو نفي من العلاقات الإعلامية التابعة للحزب.
ماذا يحصل داخل الحزب؟
ما يجري اليوم لا يمكن قراءته إلا كإشارة لتحول داخلي عميق، يعكس ارتدادات ما بعد "حرب الإسناد" التي انطلقت في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 ولا تزال مستمرة حتى اليوم، ومحاولة الحزب إعادة ترتيب بنيته وواجهاته تحت ضغط الخسائر والانكشافات.
فهذه ليست استقالة تقنية، ولا إعادة تموضع شخصية، لمسؤول أمني تعب من دوره. ما جرى اليوم هو كسر تابو داخلي داخل "حزب الله"، للمرة الأولى "يُخرَج" مسؤول بهذا المستوى، وبهذا الثقل، من الحلقة الصلبة التي كانت تُقدم دائماً على أنها مغلقة، محصنة، وفوق المساءلة.
يستقيل وفيق صفا لأن الحزب لم يعد قادراً على تحمل كلفة الاستمرار بالصيغة نفسها التي حكمت سلوكه منذ أعوام، لا أمنياً ولا سياسياً ولا تنظيمياً. الرجل لم يكن مجرد مسؤول إداري، كان واجهة دولة داخل الدولة، وقناة الاحتكاك المباشر مع القضاء والأجهزة والملفات الحساسة. وحين تسقط هذه الواجهة، فهذا يعني أن الخلل لم يعد تفصيلياً بل بنيوياً.
"حرب الإسناد" سلسلة هزائم مركبة
ما بعد حرب "الإسناد" ضد إسرائيل، لم يعد كما قبلها. هذه الحرب، التي أُريد لها أن تكون استعراض قوة محسوباً، انتهت عملياً إلى سلسلة هزائم مركبة، فشل في فرض معادلة ردع جديدة، واستنزاف عسكري بلا مكاسب استراتيجية، وانكشاف أمني واسع، وتآكل إضافي في صورة الحزب داخلياً وخارجياً.
الأخطر أن نتائجها لم تُترجم إلى "نصر سردي" يمكن تسويقه للبيئة أو للحلفاء، بل إلى سؤال داخلي قاسٍ، "ماذا ربحنا مقابل ما خسرناه بشرياً وعسكرياً وربما الأهم اقتصادياً؟"، وذلك وفقاً لعديد ممن تتحدث معهم "اندبندنت عربية".
في هذا السياق، تصبح استقالة وفيق صفا إشارة وليست حادثة، إشارة إلى صراع مكتوم داخل الحزب بين من يريد الاستمرار بالنهج نفسه، نهج القبضة الأمنية والفرض بالقوة، وبين من بات يدرك أن هذا الأسلوب صار عبئاً لا أداة قوة. فبعد الحرب الأخيرة، لم يعد ممكناً إدارة العلاقة مع الدولة اللبنانية، ولا مع الخارج، بالمنطق ذاته، ولا بالأسماء ذاتها، ذلك أن الكلفة ارتفعت، والهامش ضاق، وأي خطأ بات يُحسب مضاعفاً.
والأهم أن ما يحصل داخل الحزب ليس "محاسبة" بالمعنى الكلاسيكي، بل إعادة تموضع اضطرارية. فالحزب لم ولن يعترف بالهزيمة علناً، لكنه يتصرف على أساسها تنظيمياً، تخفيف الواجهات الصدامية، وإبعاد الأسماء ذات الكلفة العالية، ومحاولة إعادة ضبط العلاقة مع الداخل اللبناني في لحظة حساسة إقليمياً ودولياً.
ووفيق صفا، بكل تاريخه وملفاته وعقوباته، أصبح عنواناً لهذا العبء، لا رصيداً له. يذكر أن آخر ظهور إعلامي لصفا، كان في 25 سبتمبر (أيلول) 2025، عند صخرة الروشة في ذكرى اغتيال أمين عام الحزب حسن نصر الله.
فمن هو وفيق صفا؟
وفيق صفا هو أحد أكثر رجال "حزب الله" العملانيين نفوذاً، وأقلهم ظهوراً بمعناه السياسي العلني. ليس خطيباً ولا قائداً ميدانياً على الجبهة، بل رجل مفاصل، فهو من يربط الحزب بمؤسسات الدولة حين يريد، ومن يقطع الخيط حين يريد، ومن يفتح القنوات الخلفية حين تصبح السياسة عاجزة عن الكلام. ويصح وصفه بأنه "صندوق الأسود" التابع للحزب، وبنك معلوماته، وكان يقدّم داخل المنظومة كمسؤول أمني وسياسي في آن، وظيفته الأساسية تاريخياً كانت إدارة "منطقة التماس"، بين الحزب والأجهزة الأمنية اللبنانية الرسمية، من الأمن العام، ومخابرات الجيش، وقوى الأمن، غيرها، من مؤسسات القضاء والملفات القضائية الحساسة، والوسطاء السياسيين والمرجعيات، وقنوات التفاوض غير المعلنة، أي تبادل الأسرى والجثامين، والرسائل الأمنية، والتهدئة، والوساطات.
لذلك يُلقب أحياناً، في التداول غير الرسمي، بوزير داخلية الحزب، أو وزير أمنه السياسي، لأنه كان يدير قوة القرار، من يُمرر، ومن يُمنَع، ومن يُستثنى، وكان تعبير "بسلم عليكم الحاج" في أي مؤسسة من مؤسسات الدولة اللبنانية، كي يعرف من هو المقصود، كما أن حادثة تهديده لقاضي التحقيق في قضية انفجار مرفأ بيروت (2020) طارق بيطار من داخل قصر العدل بـ"قبعه" (إزالته من مكانه)، أثارت حينها ردود فعل دولية، وأهمها موقف لرئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي السيناتور الديمقراطي بوب مينينديز، والعضو المنتدب فيها السيناتور الجمهوري جيم ريتش رداً على تعليق عمل بيطار، فدعا الحكومة اللبنانية إلى "الحفاظ على سلامة القضاة، الذين يتولون التحقيق في الانفجار المروع الذي هز مرفأ بيروت".
"الإقالة" لخفض منسوب الاستفزاز
وعليه" فإن "إقالة" صفا لا تقرأ كإجراء داخلي فحسب، بل رسالة سياسية مشفرة إلى الخارج، وتحديداً إلى الولايات المتحدة، بأن الحزب يدرك حدود اللحظة وحساسية المراقبة الدولية، وحين يُسستغنى عن الاسم الأكثر التصاقاً بملف "الأمن السياسي" والاحتكاك مع القضاء، فإن ذلك يُيدو كمحاولة لخفض منسوب الاستفزاز، لا كتحول جذري في السلوك.
والسؤال الذي نُقل عن المبعوث الأميركي أموس هوكشتاين، "بأي صفة يهدد مسؤول حزبي قاضياً في قصر العدل؟"، لم يكن استفهاماً بروتوكولياً، بل تشخيصاً مباشراً لمشكلة السيادة التي جعلت اسم صفا عبئاً في أي مسار تفاوضي أو تهدوي.
من هنا، تأتي الإقالة كإشارة تطمين محسوبة، يمعنى أن الحزب يبدّل الواجهة ليُسهّل المرور الدولي، من دون أن يعلن تراجعاً عن جوهر نفوذه، إنها دبلوماسية الأسماء، لا انقلاب السياسات.
رأس قناة الحزب مع الدولة لأكثر من 3 عقود
استلم صفا مهامه في الحزب منذ أواخر الثمانينيات، حين كان الإطار يُسمى "اللجنة الأمنية أو لجنة الأمن والتنسيق"، ثم تطور لاحقاً إلى ما عُرف بـ"وحدة الارتباط والتنسيق".
وبغض النظر عن الاسم الإداري، بقي المعنى واحداً، وهو أن الرجل كان رأس قناة الحزب مع الدولة لأكثر من ثلاثة عقود.
كما أن الوحدة التي ترأسها ليست وحدة عادية، بل أشبه بـ"بوابة سيادة موازية"، فإذا أراد الحزب أن يتفاهم مع الدولة، أو إذا أراد أن يضغط على الدولة، فغالباً عبر صفا، وإذا أراد أن يبقى خارج الدولة من دون صدام مفتوح، فكان صفا هو من يضبط الإيقاع أيضاً، أي إن هذا الرجل كان يدير الاحتكاكات، عبر إدارة التوتر، وإدارة الرسائل، وإدارة الحدود الرمادية.
رجل "الإشاعات"
صفا الذي نجا من محاولة اغتيال إسرائيلية، في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، لاحقته إشاعات كثيرة من قبل الإعلام والخصوم والهمس السياسي، أشهرها ما تردد عن تدخله في مسار ملف انفجار المرفأ عبر رسائل حادة للقاضي بيطار، وتحويله إلى عنوان لترهيب القضاء.
وأيضاً لاحقته إشاعة، الحاكم غير المرئي للأجهزة، وبأنه يمتلك قدرة تأثير على قرارات داخل بعض الأجهزة الأمنية اللبنانية، وخصوصاً داخل الأمن العام، أو على الأقل على "الخطوط الحمراء" التي ليس من المسموح أن تتجاوزها، وأنه يملك قائمة من الممنوعات والمسموحات، غير مكتوبة تتصل بالأمن السياسي للحزب.
إلى هذا لاحقته إشاعات "مالك مفاتيح المطار والمعابر"، وظهر اسمه كثيراً في كل مرة فُتح نقاش عن المطار والمعابر والتهريب، مرة كمن يغطي، ومرة كمن يعالج المشكلة، ومرات كمن يتحكم بالاستثناءات.
أيضاً لا يخفى على المتابعين والمراقبين، بأن وحدة الارتباط تمتلك أرشيفاً من المعلومات عن خصوم وحلفاء الحزب على حد سواء، ويُستخدم للتأديب أو للحماية أو للمساومة أو للابتزاز، وهو ما أكدته شهادات وتقارير صحافية عدة خرجت في الأعوام الماضية.
وربما لاحقه هذا النوع من الإشاعات بسبب طبيعة وظيفته، وأي ملف سيادي أو أمني يصبح قابلاً لإلصاقه بشخص مسؤول عن التنسيق، داخل حزب تحكم بمفاصل الدولة اللبنانية لعقود.
القراءة التحليلية لشخصيته ووظيفته
وإذا أردنا وضع وفيق صفا في معادلة واحدة، فهو كان يمثل نموذج الحزب حين يتحول من "ممانعة" إلى سلطة، فـ"الممانعة" تُقاس بقدرة السلاح، والسلطة تُقاس بقدرة التحكم بالمفاصل. وصفا كان "موظف المفاصل" بامتياز.
لهذا السبب، أي حديث عن تراجعه أو خروجه أو تحجيمه، بغض النظر عن الشكل، استقالة أو إقالة أو إعادة توزيع صلاحيات، لا يعني فقط تغيير اسم، بل يعني أن الحزب يعيد النظر في طريقة إدارته للاحتكاك مع الدولة، هل يبقى بمنطق الأمن السياسي الصلب، أم ينتقل إلى صيغة أكثر مرونة لأن كلفة النموذج القديم ارتفعت بعد الحرب والخسائر والانكشافات؟
لم يكن وفيق صفا يوماً وجهاً جماهيرياً في "حزب الله"، بل كان الوجه الذي يُستدعى حين يصبح الكلام العلني خطراً، وحين تحتاج السلطة الفعلية إلى أن تعمل بصمت.
في نظامٍ يقوم على الفصل بين الخطاب والسلوك، كان صفا هو سلوك الحزب، الرجل الذي يدير الاحتكاك مع الدولة، ويضبط الإيقاع حين تتقاطع السيادة الرسمية مع السيادة الموازية.
هذا الدور، الذي صنع نفوذاً هائلاً، حمل في داخله بذور الإشكال، فمع تمدد الحزب من "القتال" إلى السلطة، تحولت وحدة الارتباط إلى واجهة الدولة داخل الدولة.
وكلما اشتد الاحتكاك، قضائياً أو أمنياً أو سيادياً، صار الاسم المرتبط بهذه الواجهة هدفاً للاتهام، وللشيطنة، ولرفع كلفة السمعة.
هكذا تراكم حول صفا رصيد من الإشاعات والاتهامات المتداولة، وبغض النظر عن دقة هذه الروايات، فإن كثافتها صنعت صورة لرجل صار عنواناً لكل ما يُراد نقده في نموذج الحزب السلطوي.
خروج صفا أو تحجيمه لا يُقرأ كمحاسبة شخصية، بل كاعتراف تنظيمي غير معلن بأن مرحلة كاملة تُطوى. والحزب الذي كان يحتاج إلى رجل مفاصل صلب لفرض الإيقاع، يحتاج اليوم إلى تقليل الاحتكاك، وتخفيف الواجهات، وإعادة توزيع القنوات بأسماء أقل استفزازاً وأقل كلفة. في هذا المعنى، أصبح صفا رمزاً لمرحلة القوة الخشنة التي لم تعد قابلة للتسويق ولا للإدارة بعد الحرب.
الخلاصة أن وفيق صفا لم يسقط لأنه فشل وحده، بل لأن النموذج الذي مثله صار عبئاً على الحزب نفسه.
واستقالته ليست نهاية سيرة، بل علامة انتقال، من إدارة الدولة بالظل، إلى البحث القَلق عن صيغة أقل صداماً في زمن لم يعد يسمح بالخطأ.
في هذه اللحظة، لم يعد اسم مثل وفيق صفا، بكل تاريخه، وحمولته الرمزية، وكلفته الدولية والإعلامية، قادراً على أداء الوظيفة نفسها. ليس لأن دوره انتهى، بل لأن الطريقة التي جسدها انتهت صلاحيتها.
لذلك، تستقيل هذه الشخصية اليوم تحديداً لأن الحزب يعيش مرحلة انتقال قَلقة، من فائض القوة إلى إدارة الخسائر، من منطق الفرض إلى منطق تقليل الأضرار، ومن يقين السيطرة إلى شك المآلات. وما بعد هذه السابقة، لن يكون كما قبلها.
استقالة وفيق صفا ليست النهاية، بل أول اعتراف غير معلن بأن داخل "حزب الله"، شيء انكسر.