
جهينة نيوز- بقلم نارام سرجون:
إياكم أن تبتعدوا عن المنطق.. قوة المنطق تشبه قوانين الفيزياء بل هي أشد صرامة من قوانين الفيزياء.. والأصح بأن المنطق هو فيزياء العقل.. وهو في العقل بمثابة قيمة الضوء في الفيزياء.. وكل ما يخالف فيزياء العقل وضوء العقل ليس إلا وهما على وهم.. على وهم.. على وهم..
العالم العربي تم تجريده من فيزياء العقل وكيميائه.. أي من المنطق وضوء المنطق.. ولذلك نجد أنه عالم لا ينتج المعرفة ويغرق في ظلام لاهوت يهودي يطفئ أضواء الشرق وروح الشرق.. فينتج ثورات الخراب والدمار الذاتي.. وربيع الوهم والأوهام.. ولانزال نشرب الوهم والخداع دون توقف
يقول عمر الخيام في أجمل شعر للحكمة:
عاشر من الناس كبار العقول وجانب من الجهال أهل الفضول
واشرب نقيع السم من عاقل واسكب على الأرض دواء الجهول
ونحن كأمة لانسكب دواء الجهول والجاهلية على الأرض.. ولا وصفات الغرب ومجلس الأمن.. بل نشرب ماتسكبه الفضائيات فصرنا نشرب بول البعير.. وصرنا نرضع كبارا من أثداء الغانيات كما لو أنها أثداء الأمهات.. ونتغرغر بماتسكبه لنا الاستطلاعات وتحليلات المثقفين والخبراء من غباء ومن ظلام عن اقتران الذبح بالحرية.. ولذلك لا نقدر على رؤية الفواصل بين الألوان وبين الروائح.. ولذلك لانزال لا نعرف المعرفة.. ولا نصل إلى الضوء.. ولا نعرف الفرق بين داعش وبين جبهة النصرة وبين الإخوان المسلمين.. ولا نعرف الفرق بين أوسلو وبين الانتحار في قطر..
فلم تكف الفلسطينيين عشرون عاما من المفاوضات ليعرفوا أن أوسلو لم تبن لهم زريبة ولا قن دجاج وهم لايزالون يستقبلون الوفود والوسطاء والمبادرات الذين يبنون لهم دولة على الورق.. على مساحة الضفة التي لم يبق فيها على الأرض مكان لقن دجاج فلسطيني يسكن فيه محمود عباس..
ولم يكف العرب ستون عاما من الوعود فوق الوعود فوق الوعود.. ليعرفوا أن لعبة الوعود هي لعبة الموت البطيء نفسها التي لعبها الهنود الحمر.. وانتظروا فيها موعدا مع الانقراض.
لم يكف الناس عشرات آلاف القتلى وحطام خمس دول وخمسة شعوب ليدركوا أن الربيع العربي ليس عفويا وأن جميع من قتل مات في لعبة من ألعاب القمار الغربية..
ولم يكف الناس تدمير آلاف المدن في الشرق من العراق إلى ليبيا وتشريد خمسة شعوب ليدركوا أن مجلس الأمن يدمر المدن ولا يبنيها.. وأن جامعة الدول العربية هي خارجية إسرائيل.. وأن من يغزو المدن لا يمنحها الحرية بل العبودية..
ولم يكف الناس أنهم ذاقوا طعم سايكس بيكو مئة سنة كاملة.. فإذا بهم يكرعون السم في نفس الكؤوس.. ومن نفس الدنان.. ومن نفس السقائين.
ولم يكف الناس أنهم رأوا أن الأمم تموت عندما تحيا فيها المذاهب والعشائر وأن الأمم تحيا عندما تموت مذاهبها.. وأن صوت الأمة وصوت الأنبياء يصبح كالمواء عندما يعلو زئير الطوائف وزعيق المذاهب تحت قباب البرلمانات.. ومع هذا لايزال الإسلام مدججا بالطوائف وطوائف الطوائف.. ولايزال لبنان سقيفة سخيفة لكل الأديان والمذاهب.. ولايزال العراق يركب على ظهره الجمل.. ولايزال رأس الحسين يحز كل يوم ويسافر بين الشام والعراق..
واحتاج الناس أن يؤمنوا أربع سنوات كاملة أن الربيع هو ثورة شعبية للحرية إلى أن تبين أن الثورة الشعبية للحرية إنما قامت من أجل داعش في ليبيا وداعش في سورية وداعش في مصر.. ومن أجل أمهم تركيا ومربيتهم السعودية وأبيهم الناتو.. ومهدت لهم أختها جبهة النصرة فراشها الوثير..
ولا أدري كم سيحتاج الناس ليعرفوا أن داعش والنصرة والإخوان المسلمين هم في الحقيقة منتج واحد من صنيعة نفس المعمل التركي الناتوي.. وأن لا فرق بين النصرة وداعش والإخوان المسلمين إلا أن مهمة كل فصيل مختلفة عن الآخر ودلاجة قذارته تختلف نكهتها عن الآخر.. وأن رأس داعش هو رأس الإخوان المسلمين وأن رأس الإخوان المسلمين هو الوهابية.. وأنهم جميعا مسميات مختلفة لتنظيم واحد بمهام مختلفة.. فلا فرق بين الظواهري وبين رياض الشقفة وأبي بكر البغدادي وأبي محمد الجولاني.. فالغرب يريد من العنف الإسلامي أن يواجه الدول الوطنية والمجتمعات التي تريد أن تنهض بينما يدعي الغرب أنه لا يدعم إلا التنظيمات المعتدلة المنخرطة في العمليات السياسية.. ولكن في الحقيقة أن الغرب يقوم سرا بتشكيل فصائل النصرة وداعش من جسد الإخوان المسلمين والقاعدة والوهابية.. ويسقيهما من أمهات النظريات الاخوانية عن الخلافة والدولة الدينية والتكفير.. فداعش هي النصرة عندما لا يراد لجبهة النصرة أن تتحمل مسؤولية حدث ما يحرج قطر والسعودية والغرب.. والنصرة هي فرع من فروع الإخوان المسلمين كلفت بمهمة إنزال الرعب والعقاب الأقصى بمن لا يوافق على مشروع الإخوان المسلمين الذين يقدمون أنفسهم على أنهم الأكثر دبلوماسية ولهم يد تلبس قفازات حريرية يسميها الغرب "الائتلاف" أو "الثورة السورية".. ويزين القفاز الحريري برؤوس ميشيل وجورج وبعض العلمانيين.. ولكن عندما كانت القفازات الحريرية تفاوض في جنيف كلفت النصرة وداعش بمهمة التحدي وعدم الاعتراف بالمفاوضات حتى إذا ما تمكن الإخوان من استدراج الدولة السورية إلى تنازلات بشأن هيئة الحكم الانتقالي كانت النصرة وداعش في حل من الاتفاق.. وتابعتا عملية الاستيلاء العسكري على السلطة والدولة والمجتمع الذي ستأكله النصرة عسكريا وتلتقي مع الإخوان عند الهرم السياسي للسلطة..
الخلاف بين داعش وجبهة النصرة هو خلاف وهمي لأنه مسرح استخباراتي.. الغاية منه إيهام البعض أن التنظيمات الإسلامية خارجة عن السيطرة وهي متباينة التمويل والإدارة والتوجيه ومستقلة.. التنازع بينهما هو أيضا عملية تضليل استخباراتي معقد تمارسها مكاتب الاستخبارات علاوة على أن التنافس بين مكاتب الاستخبارات وصل إلى حد أن كل واحد منها يريد الإثبات لقيادته أنه نجح في تشكيل التنظيم الأقوى وأنه من يجب الاعتماد عليه.. وفي لعبة إقناع الناس لا مانع من أن يموت مئات من العناصر الإسلامية المتناطحة غير المنضبطة طالما أن هناك عشرات الآلاف في خزانات بشرية تنتظر دورها في الجهاد وطالما أن المساجد تعجن العجين وتخمره لتلقي به في أفران الجهاد.. وطالما أن الموارد البشرية بلا حدود من الأرياف الفقيرة وحيث يقوم رجال الدين بعملية التجنيد الإجباري للجهاد دون توقف..
أكثر ما يثير الغثيان والقرف من غباء بعض الناس هو أنهم يقولون إن داعش الشريرة موجودة في جغرافيا لا يسيطر عليها الجيش الحر ولا جبهة النصرة وأنها لا تقاتل الجيش السوري.. وأن ماتقوم به داعش من عنف هو الذي يسيء للثورة لأنها تخدم النظام ببشاعة سلوكها ودمويتها.. ولكن عيني رأت أن أخلاق داعش الرديئة هي ذاتها في نفس الجغرافيا التي تسيطر فيها النصرة والجيش الحر والإخوان المسلمون.. ولها نفس السلوك والسكاكين.. فالطفل الذي كان يقطع الرؤوس وتدافع عنه الثورة ليس داعشيا بل هو في مناطق الجيش الحر.. والوحش الذي التهم قلب الجندي السوري ليس داعشيا بل في حمص حيث الإخوان والنصرة.. والقتلة الذين كانوا يذبحون الضحايا في قلعة الحصن وريف حلب ويهللون مكبرين ليسوا من داعش.. والذين رموا موظفي البريد مذبوحين من أعلى الأبنية ليسوا داعشيين.. والذين افتتحوا الذبح في حمص بابا عمرو وفي حماة ورموا الجثث في نهر العاصي ليسوا من داعش.. بل جميعهم خليط من الإخوان والنصرة.. ومانراه اليوم في الرقة والموصل هو نفس المنتج القذر الذي أهدتنا إياه الثورات من ليبيا إلى سورية والعراق (في الأنبار).
الصراع بين داعش والنصرة والإخوان ليس جوهريا بل شكل من أشكال التضليل تمارسه أجهزة الاستخبارات للإيحاء أن العنف المنفلت ناجم عن عناصر منشقة وغير منضبطة وليس لأحد القدرة على ضبطه.. ولذلك نجد أن كل التكفير المتبادل والعنف قد همد وسكت فجأة عندما فتح "المؤمنون" الموصل.. وخرجت من القرضاوي (وهو المرشد الحقيقي للإخوان المسلمين) عملية مباركة صريحة لداعش (عدوته) وسمى ما تقوم به ثورة شعبية.. كما أن القدس العربي (اورشليم) التي تمتلكها قطر الآن -وهي صحيفة الإخوان المسلمين في المهجر- أسبغت على فتوحات داعش لمسة شاعرية ووطنية بالإيحاء أنها من إنجاز البعثيين القدامى وعزة الدوري وباركتها حتى ابنة صدام حسين.. ووصل استغباء واستحمار الناس أن هناك من يروج أن داعش هي من قامت باختطاف المستوطنين الإسرائيليين الثلاثة في الضفة الغربية مما يعطيها هيبة من تمددها من الموصل إلى الضفة.. ويضفي على غزوة الموصل شرعية في أنها تقاتل من أجل فلسطين.. وكل هذا لحماية داعش من ردات الفعل أو التشكيك بانجازها الإسرائيلي التركي.. والملاحظ أن العرعور أوقف عملية القدح والذم والشتم والتحريض على داعش وهذه فرصة له لا تفوّت لكنه لم يفعل.. علما أن انتصار داعش في الموصل والأنبار لا يهدد المالكي بقدر ما أنه نظريا يهدد الدولة الاخوانية التي يريدها العرعور والإخوان المسلمون والتي يبشرون بها في سورية.. لأن دولة داعش متمددة وثرية بالمال والنفط وقادرة على الحياة بموارد زراعية هائلة وتتبع مرجعية مختلفة كما يروجون وستكون قادرة على التهام النصرة والإخوان المسلمين إن تمكنت في العراق والجزيرة السورية.. إلا أن داعش في الحقيقة قامت بتنفيذ الجزء المكلفة به حسب التخطيط الغربي التركي وجاءت الأوامر للقرضاوي ولكل التنظيمات بالتزام الصمت أو التأييد لتنفذ مهمتها دون عوائق.. لأن كل هذه التشكيلات الدينية هي منتجات استخبارات ومن مكتب واحد يصدر إليها التعليمات ويكلفها بالمهام المختلفة في درجة قذارتها وخيانتها..
والبعض يتمترس بمقولة أن داعش تتصارع مع النصرة بل كتب أحد المجانين أن إيران هي من يحرك داعش الآن في الموصل.. ولكن الحقيقة أن كلا التنظيمين من صنائع ومعاجين الولايات المتحدة وخلطاتها العسكرية.. فالنصرة تقاتل أعداء أمريكا في سورية.. وداعش تقاتل أعداء أمريكا في العراق.. وقتالهما الأخير لم يكن بسبب خلاف قطري سعودي أو تركي لكنه خلاف يمكن تسميته بحرب استخباراتية وأهم غاياتها التضليل وذر الرماد في العيون وتوزيع الأدوار..
داعش اليوم هي بنت تركيا الحقيقية تفقس فيها بيوض المشروع الإسلامي من الإخوان المسلمين وجبهة النصرة.. وقد أرضعتها السعودية كما أرضعت قبلها جبهة النصرة.. وتقوم قطر بهز سريرها وتدثيرها وتغيير حفاضاتها كلما زادت قذارتها.. ولداعش مهمة واحدة فقط وهي خلق حاجز بشري وجغرافي يقف كالسد بين سورية والعراق ويقطع التواصل الجغرافي بينهما بعد أن بدا أن التواصل الجغرافي والنشاط البشري الكثيف بينهما سينتهي إلى مزج الحدود يوما.. سيفصل الحاجز الداعشي بين إيران والعراق من جهة وبين سورية ولبنان (حزب الله) من جهة أخرى.. والذي ستشتعل منه الحروب الدينية بين السنة والشيعة.. وينهي محورا عملاقا ترعاه روسيا بقصم ظهره من وسطه.. ومن ينظر إلى الخارطة أيضا سيعرف أن قيام داعش سيجعل تركيا قادرة على الاستغناء عن سورية وعن العراق في عملية نقل بضائعها وتجارتها نحو الخليج وآسيا.. ولا داعي لأن تمر من حلب.. بل تمر من الموصل إلى الأنبار والبوكمال السورية ثم إلى السعودية والخليج.. ومن ثم إلى العالم.. وتخرج تركيا من الحصار الخانق المتوقع في العقدين القادمين من انسداد البر السوري العراقي نحو الخليج.. وبدل تواصل محور المقاومة سياسيا وبشريا واقتصاديا من الشرق إلى الغرب أي من طهران إلى بغداد إلى بيروت.. يتواصل محور عمودي مناقض من الشمال إلى الجنوب ليقطع المحور السابق في قلبه.. ويمتد من أنقرة إلى الموصل إلى الرقة ثم الرياض.. وتشرف عليه الولايات المتحدة.. وهذا الخط هو الذي سيقطع أي احتمال لخطوط النفط والغاز من إيران والعراق وآسيا إلى البحر المتوسط في المستقبل..
الأكراد ربما يراهم البعض من لاعبي المسرحية.. ولكن للأكراد الحق بالقلق الشديد أكثر من غيرهم لأنهم يعرفون أن مهمة دولة داعش التي ترعاها تركيا سرا هي تهديدهم كلما تمردوا وكلما فكروا بدعم دولة كردية في جنوب تركيا.. لأن تركيا عندها ستفلت عليهم الوحش الذي رعته وربته تحت بطنهم في الغرب والجنوب.. وهذا الوحش سيسيل لعابه على نفط كركوك كلما أشارت تركيا بعظمة كركوك إليه.. فالقلق التركي من الأكراد أزلي وبلا حدود وفي كواليسهم يشبه قلق إسرائيل الوجودي من الفلسطينيين.. والأتراك ليل نهار يفتشون عن وسيلة لإجهاض أي مشروع دولة كردية قوية تلتهم أحشاء تركيا.. وطالما أن تركيا لن تقدر على إيقاف مشروع الأكراد وطموحاتهم فإنها ستقوم بإضعاف الحلم الكردي بدولة ربيبة لها تمدها بالمال والاستخبارات والسلاح وستضعها كاللجام في فم كردستان.. وفي فم البرزاني الذي يناديه أردوغان دوما بـ(أخي مسعود).. ولابد أن الأخ أردوغان يريد وضع لجام حديدي في فم أخيه مسعود وشعب أخيه مسعود.. ويشد اللجام كلما جمح الحصان الكردي.. وسيسير كل كردي وفي فمه لجام تركي اسمه داعش يشده السلاجقة حتى تدمى شفاه كردستان..
وبالطبع ستبقى داعش غير قادرة على الاستقلال عن تركيا لأنها ستكون منبوذة من الشرق والغرب.. وتعيش بين قوتين تكرههما وتكفرهما ولايمكن عقائديا أن تنسجم معهما.. ففي الشرق ماستسميه الدولة الشيعية الرافضية.. وفي الغرب دولة علمانية كافرة فيها النصيريون والمسيحيون والسنة المرتدون.. ولذلك فإن النفط فيها لن يمكن تصديره عبر موانئ الكفار من الغرب والشرق والجنوب.. بل سيسافر نفط داعش مضطرا نحو الشمال عبر موانئ الأم الرؤوم تركيا التي ستشتري النفط بأبخس الأثمان والذي بدأت تسرقه عبر داعش من حقول دير الزور بسعر سبعة دولارات للبرميل الواحد لتبيعه تركيا في السوق بأكثر من مئة دولار.. وهنا نتذكر مشروع تورغوت أوزال الذي فكر في ربط المنطقة بتوازن النفط والماء فتبنى فكرة إقامة سدود عملاقة لتتحكم تركيا بمياه الشرق الأوسط وتبيع العرب الماء بالنفط وبالتالي لا يقدر العرب على التحكم بأسعار الطاقة في العالم لأن تركيا (والناتو طبعا من خلالها) ستمسكهم من (خوانيقهم) المائية وتعطشهم حتى يركعوا.. ولكن حزب العدالة والتنمية وجد أنه بإقامة دولة داعش سيكون له الماء في سدوده وسيحصل أيضا على نفط مجاني.. بل وسيسرق نفط كركوك بواسطة داعش التي سيصر على الادعاء أنها غير منضبطة وأنها من صنيعة النظام السوري والإيراني.. ويحرم الأكراد من مورد حيوي لدولتهم ويزيد من عصرهم وخنقهم فلا يتمددون داخل تركيا..
الرابح الأول من داعش هو تركيا كدولة إقليمية.. ولكن الرابح الأكبر هو أمريكا وإسرائيل بقصم ظهر محور المقاومة الذي سيتقطع جسده.. والذي سيضطر للنظر طويلا إلى ظهره الذي تقف قريبا منه دولة غنية بالنفط والماء والعنف والكراهية المطلقة.. وتربي وحوشا بشرية تأكل كل ما يقف في طريقها وتفرز ثقافة الكراهية السوداء والجهل والطوائف الكافرة.. وسيكون أمام سورية معادلة: إسرائيل من أمامكم.. وداعش من ورائكم..
أكثر ما يثير السخرية هو القلق الأمريكي من داعش والثرثرة والقعقعة بالأساطيل.. وأمريكا تعلم أن داعش هي ذاتها جبهة النصرة.. وهي ذاتها من مشتقات الإخوان المسلمين الذين اتفقوا معها في تركيا ومصر وغزة.. وتلعب أمريكا لعبة التضليل بمدمرات وحاملات طائرات تتوجه إلى المنطقة لمحاربة داعش وتمثل علينا أنها تخلي قواعدها خوفا من داعش.. رغم أن قاعدة أنجرليك التركية تشرف على داعش.. ومن يقف على أرض انجرليك يكاد يستطيع أن يرى الموصل بالعين المجردة ويستطع دكها دكا.. ولا حاجة له لحاملات الطائرات.. ولو أرادت أمريكا ذلك لكانت قواعد العيديد والسيلية وانجرليك كافية لطحن عظام داعش من الجو وصواريخ كروز وقاذفات ب 52.. التي طحنت جيش صدام حسين بملايينه الستة.. فكيف ببضعة آلاف يسيرون في قوافل طويلة تحت ضوء النهار.
ولكن لا تنتظروا أن تقوم أمريكا بإطلاق رصاصة على داعش.. إلا من قبيل ذر الرماد في العيون كما فعلت تركيا منذ فترة.. وستتركها مثل شبه دولة برعاية تركيا الناتوية.. وتشبه خليج غوانتانامو الذي لايحكمه قانون. ولكن تركيا في مرحلة لاحقة قد تفكر بالدخول للاستقرار في بلاد داعش بحجة محاربتها.. ولكن غايتها ستكون حماية حدود دولة داعش.
عندما تغيب فيزياء العقل يسود الظلام.. وفي الظلام تمر الذئاب إلى قطعان الأغنام.. وتتمشى الأساطير بين الروايات العظيمة.. لذلك نجد أن هناك أكاذيب تشبه الخرافات يتداولها البعض وكأنها بدهية وهي أن هناك صراعا وتنافسا بين أقطاب محور الشر تركيا والسعودية وقطر.. فيشاع أن تركيا تتصارع مع السعودية بسبب الإخوان المسلمين وأن قطر تتناطح مع السعوديين بسبب السيسي وأن هناك خلافات بين الفرقاء يتجسد في قتال داعش والنصرة.. أو أن السعودية تؤازر مصر ضد قطر وتركيا..
ولكن هذا في علم المنطق والسياسة مستحيل.. فكل هذه الأنظمة تحت مظلة الناتو ولا تتصرف السعودية مهما اختلفت مع قطر بما يضر بمصلحة السيد الأمريكي وإلا تعرضت للعقاب الشديد.. كما أن الخلاف القطري السعودي كله عبارة عن توزيع أدوار محترف بين قطر والسعودية بإشراف أمريكي أيضا.. وأكثر عنوان جعلني أرفع حاجبي دهشة من استحمار القراء منذ عام هو أن قطر غاضبة من أمريكا وتتصرف بالشأن السياسي بشكل استفزازي لتتحدى أمريكا.. والغريب أن بعض الإعلاميين الذين لا يوجد في عقلهم فيزياء كانوا يرددن ذلك كالحقيقة ويديرون حلقات البحث والنقاش.. وقد نسيت الفيزياء عندهم أن حراس قاعدة العيديد أكثر عددا من سكان قطر.. ويمكن للحراس أن يلقوا كل العائلة الحاكمة في البحر كما ترمى النفايات دون أن يرف لهم جفن.. ومع هذا يقول هؤلاء إن قطر تتحدى أمريكا.. وتتحدى السعودية وتساند الإخوان في مصر!!..
أما لماذا تتم إعادة توزيع الدور على اللاعبين (قطر وتركيا والسعودية) فهو أن الدور القطري صار منبوذا في المنطقة وبالذات في مصر بسبب أن القطريين دفعوا بالمشروع الإسلامي الذي نجح ولكن انكشافه على حقيقته في سورية أخاف المصريين وعرفوا أنهم مقبلون على نكبة اجتماعية إن استمر الإسلاميون في الحكم.. فكان لابد من نزول لاعب الاحتياط السعودي بثقله الكبير وبمباركة أمريكية باستغلاله لثغرة الوضع المعيشي في مصر.. ومهمة لاعب الاحتياط السعودي هي إيهام المصريين أن النظر شرقا فقط هو ما يعيدهم إلى الخارطة وليس رد الفعل بالتحالف مع إيران أو سورية شمالا.. ويسمي الخبراء الحركة السعودية بحيلة "اصطياد الفيل الهندي".. فمن الحيل الهندية في اصطياد وترويض الفيلة البرية هي أن تنصب حفرة للفيل وتغطى بالأعشاب.. وعندما يقع فيها ولايقدر على النجاة يأتي إليه شخص يلبس ثيابا مميزة ويضربه بعصا ضربا مبرحا مؤلما.. ويكرر ضربه كل يوم حتى يصير الفيل المسكين مصابا بالهلع كلما ظهر له الرجل الشرير.. وفي مرحلة لاحقة وفيما الرجل يضرب الفيل يظهر فجأة رجل "طيب" بثياب مغايرة ويهاجم الرجل الشرير على مرأى من الفيل ويبعده ويزجره بقسوة.. ثم يقدم "الطيب" الطعام والماء للفيل المذعور.. ويتكرر مشهد الدفاع والرعاية كل يوم حتى يطمئن الفيل للرجل الطيب.. الذي يخرجه من الحفرة عندما ينضج ترويضه وسكونه النفسي إلى الرجل الطيب.. الذي يمتطي ظهره ليقوده مباشرة من الحفرة إلى العمل والسخرة.. والفيل راض يملؤه شعور بالعرفان والاطمئنان والسعادة..
الفيل المصري الذي وقع في براثن قطر والإخوان وتذوق الهلع.. قام الرجل "الطيب" السعودي بالدفاع عنه وإطعامه.. وهو ينتظر اطمئنانه التام له.. ليمتطي ظهره ويقوده إلى العمل عنده ليلحقه بركب النكبات العربية.. وهذا بالطبع تخطيط عقول غربية وإسرائيلية.. فالمنطق يقول إن قطر لا تجرؤ على تحدي أمريكا التي إن قالت لقطر أن تسكت عن مصر فستسكت وتصمت كالحجر الأصم وإلا رميت العائلة القطرية في البحر من قبل جنود قاعدة العيديد.. ولكن قطر تتبجح وتتنطح وتستفز وترسل الثور العجوز القرضاوي لتحدي مصر وتحرك الإخوان لتثير الهلع.. حتى صار المزاج الشعبي والرسمي المصري يعتقد أن السعودية هي المنقذ وأن عز مصر هي في تحالفها مع السعودية الثرية التي تنقذها اقتصاديا ضد قطر.. وبدأت بالظهور دعوات سعودية للسيسي بأن يحدد موقفه من الصراعات في المنطقة وبالذات من الأزمة السورية.. وكتبت إحدى الصحف الخليجية أن مصر هي العمق السني (وليس العربي) للخليج.. فالفيل المصري يراد منه أن يكون ثقلا سنيا لمواجهة الفيل الإيراني الشيعي.. ويتصادم الفيلان من أجل الرجل الطيب وسيده الأبيض.
ومما يزيد من سريالية المشهد ولعبة التضليل هو إظهار دليل على مؤامرة قطرية ضد السعودية بشريط مسرب بين القذافي وحمد يتآمران على السعودية.. ولكن التفسير الأكثر قبولا هو رأي سربه لي شخص مطلع بأن الأشرطة المسربة عن الحوار بين حمد والقذافي التي يتحدثان فيها عن السعودية ونية تعديل الحكم فيها ليست إلا عملية مخابراتية قام بها حمد واستدرج القذافي للحوار والحديث ثم أبلغ السعوديين بالمحادثة لتأليبهم على القذافي والإحساس بالخشية منه لتفتح السعودية صناديقها وخزائنها لمشروع الربيع العربي تماما من ليبيا إلى اليمن وسورية ومصر.. لأن السعوديين كانوا مترددين في قبول مشروع الربيع العربي الذي أوكل للإخوان المسلمين وليس لهم وكان بعض الأمراء السعوديين يخشون إن فشل المشروع قد يعيد الثورات عليهم.. خدعة قطر تشبه جدا خدعة حرب الخليج عندما أوهم الأمريكيون السعوديين أن انتشار الدبابات العراقية في الكويت كما تصوره أقمارهم الصناعية هو انتشار تطوير الهجوم نحو السعودية.. فما كان من الملك فهد المذعور إلا أن قبل على الفور باستضافة الجيوش الغربية للدفاع عن العرش بعد أن كان مترددا من أن تستفز هذه الخطوة المشاعر الإسلامية.. بل وقال لجيمس بيكر عندما عرض عليه فاتورة استجلاب القوات وتكاليفها: لن انظر إليها.. اذهب واطلب ماتشاء من المال.. فليس بين الأصدقاء فواتير (مذكرات جيمس بيكر)..
الخلاف السعودي القطري وخلافات داعش والنصرة وتركيا هو تمثيلية مثل كل تمثيليات البطولة ومسرحيات الفرسان.. وتسريبها هو فقط لإقناع الناس أن قطر والسعودية وتركيا قوى متنافرة.. وهذا وهم كبير.. بل تمثيلية مثل تمثيلية هروب البطل عزمي بشارة من إسرائيل فيما هو جاسوس مكلف بمهمة اختراق اجتماعي وثقافي هائلة.. فكان لابد من قصة الهروب البطولي..
وصارت التمثيليات لاتتوقف منذ ذلك اليوم.. مثل تمثيلية أردوغان في دايفوس وخلافه مع بيريز وسباحته في بحر غزة التي لاتزال تنتظر البطل اردوغان الذي سيفك الحصار عن غزة فإذا به يغزو حلب وكسب.. ومثل تمثيلية اغتيال خالد مشعل ليكون بطلا لا سافلا.. واليوم يلعب دور البطولة في المسرحية الجديدة الملك عبدالله في التصدي للإخوان المسلمين في مصر وتركيا.. ولكنه يمدهم –ويا للشجاعة- بالمقاتلين والقاعدة والشيشان والأفغان والمال والمجاهدين في سورية والعراق.. ويسمي كل الخليط ثورة سورية.. تصل إلى العراق.. باسم داعش..
مشروع داعش الطائفي التركي سيسقط.. وقوى محور المقاومة قررت وأد الوليد في مهده وخنقه.. ومهمة داعش في تفجير حرب دينية لن يكتب له النجاح.. وهناك قوى قررت إثبات أن الشرق ليس مشقوقا بين سنة وشيعة.. وكل من يقول إن الشرق هو سنة وشيعة وسينشطر إلى شرقين وإسلامين بشريط داعش التركي المتطاول.. سنكسر فمه وقلمه ورمحه ومخالبه ونشق عقله.. بالسيف الدمشقي.. ومن لا يصدق فليسمع شعرا لا يرد من قلب دمشق قاله ابن دمشق نزار قباني الذي تغنى بوحدة الألم الدمشقي العراقي.. والألم الشيعي السني فقال:
مرحبا ياعراق جئت أغنيك وبعض من الغناء بكاء
مرحبا مرحبا.. أتعرف وجها حفرته الأيام والأنواء
مرحبا ياعراق.. كيف العباءات؟؟ وكيف المها وكيف الظباء
فجراح الحسين بعض جراحي وبنفسي من الأسى كربلاء
ونزار ابن دمشق عندما وصلت الثورة الإسلامية الإيرانية إلى المنطقة لم يخف من الهلال الشيعي الذي يهول به علينا الرعاع ولم يجزع.. ولم يتعصب ويتشنج.. بل قال مهللاً بالخميني الشيعي في قصيدة تغفلها كل المواقع العربية ويقول فيها:
زهّر اللوز في حدائق شيراز وأنهى المعذبون الصياما
هاهم الفرس أطاحوا بكسرى بعد قهر وزلزلوا الأصناما
شيعة وسنة.. جياع عطاش كسروا قيدهم وفكوا اللجاما
والخميني يرفع الله سيفا... ويغني النبي والإسلاما
عندما تتداخل الأحداث وتتمازج الألوان وتتوالد المشاهد فعليكم بالعودة إلى فيزياء المنطق.. وليس إلى فيزياء داعش وفيزياء فيصل القاسم لأن قوانين فيزيائه عكس قوانين نيوتن التي يسقط فيها التفاح على الرؤوس لأن فم فيصل يسقط سقوطا حرا على الأحذية.. ولا ترجعوا إلى فيزياء كل ثوار العرب.. ولا ترجعوا إلى فيزياء النفط والغاز.. ولا إلى فيزياء حمد و"أبو متعب".. بل إلى فيزياء نزار قباني.. فيزياء العقل الدمشقي.. أي المنطق والضوء.. حيث الضوء وحيث البعد الرابع.. الزمكان.
وأما من لم يفهم فيزياء العقل الدمشقي فلا يصح فيه إلا أن أقول:
وليس يصح في الإفهام شيء.. إذا احتاج النهار إلى دليل
16:32
17:09
17:29
18:27
18:33
18:45
18:45
19:49
20:23
21:04
21:12
21:23
21:26
21:28
21:35
21:37
21:54
00:38
00:46
00:53
00:53
01:30
16:43
16:49
02:39
02:50
03:41
05:22
06:10
06:12
12:37
14:58
15:21
07:41
16:53
17:53
18:44
20:17
12:43
22:00
23:00
23:03
23:09
23:16
23:59
23:59
01:05
02:54
03:23
06:02
08:31
17:49
18:27
04:01
04:20
18:35
04:00
06:07
07:51
12:33
20:23
04:01
06:44
22:27
16:20
20:20
15:42
17:19
22:06
02:59
03:20
03:26
07:39
10:11
14:40
15:55
06:49
17:16
19:24
01:54
18:20
18:34
04:39
15:07
02:16