هاني الراهب.. رائد الرواية السورية الحديثة

الإثنين, 1 تشرين الثاني 2010 الساعة 10:06 | , أدب

هاني الراهب.. رائد الرواية السورية الحديثة
جهينة نيوز: يعتبر هاني الراهب مجدّداً في مجال الرواية، وقد عمل على تطويرها من خلال «شغله» على الجانب اللغوي والتقنية الروائية إضافة إلى الأفكار التي تتضمنها كل رواية على حدة. إنه قلق المبدع المسكون بهاجس التغيير في أسلوب الرواية والأسئلة الحياتية التي تتضمنها تساؤلات الوجود والحياة والمستقبل. لقد شكلت روايته عالماً مستقلاً، قائماً بذاته في النسيج الذي نسميه الرواية السورية، شكلاً ومضموناً، في مسيرة ما نحكيه روائياً، ولنقل مجازاً إنّ الرواية السورية الحديثة بدأت به، ولمّا تنته بعد.لقد أصبح الراهب علامة بارزة فيهاً، فمن هو هاني الراهب؟ولد هاني الراهب في قرية مشقيتا في اللاذقية عام 1939، ودرس في مدارسها حيث نال شهادة الثانوية العامة، ثم سافر إلى بيروت ليدرس الأدب الإنكليزي في الجامعة الأميركية، وأوفد إلى بريطانيا لينال شهادة الدكتوراه منها.وبعد حصوله على الشهادة عاد إلى دمشق ليعمل في جامعتها، ثم ارتحل إلى الكويت وبقي عدّة سنوات، ليعود مرّة أخرى إلى دمشق، ويموت فيها إثر مرض ألمّ به. مبرز منذ البدايات كتب رواية «المهزومون» في بداية حياته،.ونال بها جائزة من دار الآداب وذلك عام 1961 واقتحم بها بجرأة نادرة، عالم الرواية العربية، فأثبت بحقّ أنه رائد الرواية العربية الحديثة. لقد أعلن هاني الراهب، منذ مطلع حياته الأدبية، وبطموح كبير، أنه وراء أسلوب جديد. شخصيات الرواية في مجملها لا تتجاوز عدد أصابع اليدّ، ينهضهم الكاتب من أوراق التاريخ الصفر، وآخرون يتكوّنون في خيال الكاتب، يكوّنهم، يجمعهم، يلاطفهم. وبحذاقة المعلم الخبير يدير هاني الراهب لعبة الرواية لتكتمل فصول الدهشة والمتعة والفرجة. إن هذه الرواية تلقى أثراً إيجابياً لدى المتلقي بتعدّد أصواتها، وقد طعمها الكاتب بثقافته ذات الأصّول العربية، أضف إلى ذلك الثقافة التي حصلها من خلال دراسته ؟ الثقافة الغربية ؟ إلى جانب الدور الاجتماعي للأدب، كما فهمه الكاتب وكما أراده، فلم تكن غايته تصوير الواقع وكشفه، وإنما إماطة اللثام عن عيوبه المستورة والمغطاة. «رسمت خطاً في الرمال» هي الجملة التي أطلقها الرئيس بوش أثناء حرب «عاصفة الصحراء»، واستعارها الراهب لتكون عنواناً لروايته الجديدة. وفيها استعرض التاريخ العربي بقضه وقضيضه، بالانتصارات والخيبات، بالمؤامرات والدسائس، قادته في المعارك أو قادته في الفكر والأدب، وخلال ذلك يدوّن الكاتب ملاحظاته على هذا التاريخ، بنزعة لا تخلو من الإيديولوجيا الفردية التي تطغى أحياناً لتصبح هي الحدث الأكبر الحامل للنصّ الروائي بكامله. إنّ اللغة في رواية الراهب هي البطل الرئيس، وهي هنا لغة تتعامل مع البسيط واليومي والمعاش بشكل ذكي وحضاري، إنها لغة واعية تعرف ما تريد، وتعرف ما تؤسس له وما تبني عليه. تقوم بتشريح الفعل التاريخي لتقديمه كما هو، يحكمها في ذلك ثقافة الكاتب ووعيه وتوظيفه للحادثة التاريخية وموقعها في النص الروائي. يفتش الكاتب عن «مدينة فاضلة محكومة بالفرح والحبّ والصدق»، وسوف نتابع رحلة أبي الفتح الإسكندري، وهو يفتش عن عمر بن الخطاب، الوجه الأبرز في الحضارة العربية، والذي لو أخذنا بآرائه «لكننا وصلنا إلى القمر قبل الأميركيين». نحن إذاً أبناء حضارة مزيفة، نستهلكها في رعب دون أن نفهم من تقنيتها شيئاً، هذا هو الإطار الذي لا يكفّ الكاتب عن البحث عنه، إنّه العدالة المفقودة، والتي يجسدها عمر بن الخطاب، الغائب/الحاضر، والذي لن يراه أبو الفتح الإسكندري في أي مكان من صفحات الرواية. يقول أبو الفتح:« أين أنت يا أميري، يا عمر بن الخطاب؟ لماذا لا ألتقي بك في أي مكان من هذا الكون؟ إلى متى سأظل أطوف العالم بحثاً عنك ؟». إنّ الكاتب يحاول الخروج على أساليب القصّ التقليدية باستعراض منجزات العصر والتباكي على صفحات مشرقة من تاريخنا العربي، فضلاً عمّا تتيحه الرواية من إمكانات للتحليل وفق عدّة مستويات متوافقة. فالراهب لا يتبع مفهوماً بنائياً محكماً يخالف فيه النظام البنائي المألوف ليدخل في كلية النصّ، لهذا لا نعثر على ربط يجمع فصول الرواية، إلا كليتها العامة التي تجسد آراء المؤلف ونظرته إلى العالم والكون في فلسفة تأخذ شكلاً تصعيدياً يصل إلى المطلق في جماله وبهائه وسمّوه، وفي ذلك يتداخل الواقع بالأسطورة، بين ما نعرفه وما هو متخيّل، لتكون حكاية شهرزاد التي لا تنتهي من سحر وخرافة وجن وشياطين وسلطة بشر. أضف إلى ذلك ثقافة الكاتب التي تحيلنا إلى دلالات معرفية بسيطة ومركبة، متعدّدة وعميقة، تنعكس على مستوى الكتابة. لا تخفي الرواية قصديتها، ولا يتم التعامل مع معطياتها بالرموز، إنها تطرح إشكاليات عصرنا ببساطة ووضوح، وحالتنا هذه يطرحها الكاتب بكل جرأة وصدق وصراحة، فقد وهبنا الله ثروة لا نعرف ماذا نفعل بها، إننا نضيعها بإنفاقها على ملذاتنا وسهراتنا، ولم نستفد منها للحفاظ على وجودنا واستمراريتنا. تتصدّى رواية هاني الراهب لمشكلات حيوية يعايشها الإنسان العربي، إنها تبدأ من مناقشة الأمور الجوهرية التي شكلت إنسان هذا الزمان، عبر تاريخه الطويل، والحضارات التي أشادها مروراً ببابل وأكاد، عشتار وبلقيس، قبل الإسلام وبعده، ومن خلال ذلك يمرّ على الإنسان العربي المهمّش والمستلب الذي لم يجد من يكتب له تاريخاً بعد. وفيها يتحلل الزمان وتضيع فضاءات المكان، والرواية كثيرة الأصوات، وعناصرها الإبداعية متنوعة، تتعدّد فيها الأصوات اللغوية، إضافة إلى التكسير المستمر للكتابة، ولكن يظل الطابع الإيديولوجي مسيطراً عليها بشكل واضح، ربما لأنها تنتمي إلى ما يُسمّى بالرواية الجديدة، التي يريد هاني الراهب أن يترك بصمته عليها.


اقرأ المزيد...
أضف تعليق

تصنيفات الأخبار الرئيسية

  1. سياسة
  2. شؤون محلية
  3. مواقف واراء
  4. رياضة
  5. ثقافة وفن
  6. اقتصاد
  7. مجتمع
  8. منوعات
  9. تقارير خاصة
  10. كواليس
  11. اخبار الصحف
  12. منبر جهينة
  13. تكنولوجيا