تقبير العرش الملكي لآل سعود .. بقلم د. محمد طلعت الجندي

السبت, 8 تموز 2017 الساعة 13:58 | مواقف واراء, كتاب جهينة

تقبير العرش الملكي لآل سعود .. بقلم د. محمد طلعت الجندي

خاص: القاهرة

رصدت الآراء المختلفة تنصيب ولي العهد السعودي الجديد "محمد بن سلمان"من وجهة نظر تكاد تكون متطرفة سواء كانت مع أو ضد، وذهب كلا الفريقين إلى غايتهم التي صبت في صالح عملية التنصيب نفسها التي خدمت "محمد بن سلمان" نفسه. بالقدر الذي جعلته يتقدم ويتسيد الحالة العربية في زيها الملكي المتشايخ والمتهالك في عمر ملوكها ونظامهم وسياستهم القمعية لحرية شعوبهم.

وفي كل الأحوال، تم تقديم ابن سلمان بأنه "الملك الشاب" الواعد والنموذج العربي الفريد الذي أثقلته كثرة إدارته لعدد من ملفات المنطقة الملتهبة مما برزت حنكته وحسن إدارته لهذه الملفات. وبالطبع هذا كذب سياسي وترويج سلعي لأسوأ منتجات آل سعود. وعلى كل حال الجميع يعلم ما صنعته السعودية في المنطقة العربية وعلى رأسها هذا الشاب.!

وواقع الأمر في قصة الترويج لـ"محمد بن سلمان" تحت صيغ "الملك الشاب الواعد"،هي الصورة نفسها التي رُسِمت لملك المغرب محمد السادس إبان تنصيبه للعرش المغربي، ولكن هل تقدم الملك الشاب بضخ دماء الشباب على مستوى الفكر والسياسة والتنوير ونهضة بلاده ورفعة شعبه؟ بالعكس، ما كان إلا صورة مصغرة من صورة أبيه الملك العجوز الراحل.

غاب على بال المحللين سواء المعارضين أو المؤيدين الذين ساعدوا في تقديم ابن سلمان بصفته الشبابية أنهم يروجون لتجارة بالية، لا تصلح وقد فقدت بريقها، فالأهم لمن يحكم هو إدراكه للأبعاد السياسية الإقليمية والدولية والمحلية، وأن يكون لاعبا فعالا في المجتمع الدولي ذا سياسة قائدة ومتميزة لا تابعة للقوى العظمى، فإن لم تكن في موقف الندية فعلى الأقل يجب أن تكون متحالفة قوية ذات نظر فيما يخدم مصالح شعوبها في المقام الأول. هذه هي المعايير الأساسية لمن يحكم في العالم، وللأسف هذه المعايير معطلة في منطقة الخليج بشكل خاص.

إن عملية نقل السلطة "المقنعة" من الملك سلمان لابنه ما هي إلا بداية تقبير العرش الملكي لآل سعود وإدخاله بالكامل في قبر الممالك المتهالكة البائدة، لعدة أسباب جوهرية، مرتبطة بطبيعة انتقال السلطة في سلالة آل سعود على أن يكون الحكم محصورا في أبناء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود فقط، والتي تم كسرها اليوم بانتقالها إلى جيل الأحفاد متخطيا قاعدة الحكم في انتقال السلطة، خاصة في ظل وجود أبناء للملك المؤسس على قيد الحياة ومشهود لهم بالصلاح في إدارة شؤون الحكم كما تنص وصية الملك المؤسس .

إن هذا الانتقال من الجيل الثاني إلى الثالث مباشرة في سابقة تعد الأولى في خرق الهيكل المؤسس لطبيعة سلطة نظام آل سعود، لهو الخطر بعينه حيث تم الانتقال دون سَنَّ قوانين مستقبلية تحدد لمن سيكون انتقال السلطة فيما بعد بين أفراد الجيل الثالث.. أم سيتبع "محمد بن سلمان" نهج جده وإبقائها في نسله فقط؟ وهي خطوة قد يُقبِل عليها وفقا لطبيعة شخصيته السلطوية، وتتبعه لسيرة جده في أدق تفاصيلها وتقليده له، وهذا ما تم الترويج له في الإعلام السعودي بأنه أقرب الناس للجد المؤسس.

وعلى الأصعدة كافة ، هذا الانتقال الذي تقدم للعالم بشكل سلس في تقبيل كف البيعة والولاء للملك الشاب، ماهو إلا رغبة في التستر لبعض الوقت إلى أن تفرز سياسة التكتم نتائجها مع أول قرارات تعسفية للملك الشاب تجاه العائلة المالكة وأبناء العم من الملوك السابقين. وعليه، فثمة حالة من التناحر العصبي بين الجيل الثالث نائمة تحت رماد البيعة و"بوس الأيدي" تنتظر اللحظة الحاسمة لتنفجر. وهذه المشكلة هي الأعقد في البيت الملكي السعودي.

وعلى صعيد التقبير، تتنامى التناقضية بين هيكل الحكم في الطبقات المنتفعة- أبناء الملوك السابقين والأمراء- التي شكلها هذا الهيكل. وبين الهيكل العام لطبقات القبائل في مجتمع شبه الجزيرة العربية التي اتخمت أو افتقرت حسب قربها أو بعدها من دوائر المنفعة وصنع القرار السعودي. وجميعهم لهم مطالب وتطلعات وطموحات في أغلبها لا يتحملها النظام الحاكم المنغلق.

وعلى سبيل المثال لهذه التناقضية انحلال القبضة الحديدية لنظام الحاكم السعودي وهدمه من الداخل بهذه القبضة الحديدية نفسها حيث التلاعب في قرارات التنصيب والتعيين فيما عُرِف باسم"ولي العهد". وهذا المؤشر يوضح مدى انفلات النظام الملكي نفسه مع طبقات المجتمع المتسعود من قبضة آل سعود أنفسهم.

من المعروف، أن آل سعود «سعودوا» مجتمع شبه الجزيرة العربية وجنسوه باسمهم وهو المعروف حاليا بالشعب السعودي، وكان ذلك من خلال قبضة الدين المذهبي وتلبيس قبضة السياسي عباءة الدين وابتكار مصطلح"خادم الحرمين" والمراوغة بهذه الصفة ما بين السياسي والديني، لكن تعرى آل سعود من خلال نسلهم الحالي من كل هذا وبدت سوءتهم للعيان واضحة، والعجيب تحقق ذلك بأيديهم لا بأيدي أعدائهم..!

جرى الاختراق وكُشِفت العورة وبُهِت السياسي والمذهبي بداية من هتك شروط البيعة في سلسلة الحكام السعوديين، نتيجة لظهور طبقة جديدة ومغايرة لما سبق عليها حيث تميل إلى الظن بقدرتها أنها تستطيع نقل المملكة لقرن آخر من الزمن في المستقبل. الاختراق الآخر كان في المجتمع نفسه وبين طبقاته الكثيرة والمتشعبة بشكل إيجابي وتكوَّن عبر تراكم تعليمي لا بأس به رغم الانغلاق الذي مُورِس على الشعب المتسعود.

وعلى الرغم أن النظام الذي حكم به آل سعود قبلي ومجتمعي منغلق إلا أن بذرة انقلاب تتحرك حثيثا على الأصعدة كافة داخل كيانات المملكة، وهذا الانقلاب تقوده طبقات المجتمع لما أصابها من حالات الوعي التي نمت بين طبقات المجتمع دون أن يدري النظام نفسه بها. وعليه ظهرت طبقات(العائلة- المجتمع) جديدة على السواء داخل البيت السعودي الحاكم تزامنا مع تنامي الصراعات المجتمعية على هامش هذا البيت. وتأتي خطورة هذا التحرك فيما قد يصيبه من دموية عصبية لاشتراك طبقة العائلة الحاكمة فيه.

وفي كل التحركات سوف يصب الغضب على النظام المؤسس لكيان دولة قائمة على الطائفية السياسية والدينية معا، وسيُعلَن العصيان والخروج على النظام الذي أسس مجتمعا قبليا بامتياز في ثوب المذهبية الوهابية واحتكار مفاهيم القرآن والسنة لنفسه مع إقرار بغض الشيعة وكراهية كل المذاهب الأخرى في المنطقة العربية كمبدأ لتخالف الدول العربية والمسلمة، وكمبدأ ثان للبقاء مع الكيانات المعادية للمنطقة العربية وتفريغ قضايا الأمة والعروبة من مضمونها. وهذه المبادئ قد صرح بها علنا ابن سلمان في أكثر من حديث تلفزيوني كنوع من الفخر والتيه.

وتيرة أحاديث ابن سلمان هنا تؤكد على انشقاق الصف ومحاولة بائسة من قبيلة الحكم السعودي في عودة الغنم تحت إمارة كلب الراعي. لكنها محاولات تعطي انطباعا عاما بوجود خلاف شديد داخل خيام القبيلة.

المشهد السعودي جد معقد وكثرت فيه الفرق المتناحرة وفق التوصيف السابق، حيث تصب أهداف كل فريق في جذب باقي الطبقات إليها سواء من داخل القصر أو من خارجه، ونتيجة هذا الجذب هو تنافر الكل، وإشعال النيران. صحيح هي نيران تحت رماد التماسك الظاهري والتي سرعان ما تنفجر بأي لحظة غير متوقعة. أي أن المعضلة هنا(هي فشل) الكيان القبلي الذي تسيد فيه آل سعود، وتغييره الاجتماعي والطبقي والمذهبي والسياسي مع مرور الزمن بالشكل الذي ما عادت تصلح فيه معالجات القبيلة في ظل نظام ملكي مهلهل ومتهالك قائم على صبغة الذقن الملكية.!

وعلى صعيد ذي صلة للخروج من هذه الصبغة تم الترويج الدعائي تحت اسم"الأمير الشاب"، "الملك الشاب الواعد" وهي أبجديات جديدة في لغة الخطاب السعودي لم يسبق استخدامها من قبل.

وفي السياق نفسه، عبر"محمد بن سلمان" عن صعود جديد يظن البعض أنه مناقض لصبغة الذقن الملكية (!) ولكنه صعود بطعم النفوذ القوي، أي أنه لن يتم صبغة الذقن الملكية بعد اليوم في الخفاء، وقد جاءها المجدد الذي سيصبغها في العلن، ومن ثم النقلة النوعية في سياسة السعودية التي يتم حياكتها في الظلام ضد المنطقة إلى حياكتها في العلن كنوع من فرض النفوذ والهيمنة، وهو ماتم تدشينه لحد ما في مسألة تيران وصنافير المصرية لصالح السعودية. وهي نقطة تحسب لهذه السياسة العلنية التي جاء بها "محمد بن سلمان"، مع ضرب الحليف الدعائي الأكبر له في شخص "تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني" والقضاء على قطر برمتها، وهو أيضا نوع من أنواع فرض العضلات على المستوى الإقليمي المماثل لقوله في معرض حديثه عن إيران بأنه سينقل الحرب داخل إيران. وذلك مع التواجد"البجح" في اليمن والتأكيد على أن أمر اليمن معلق بالإرادة السعودية فحسب، وهكذا الحال في سورية وليبيا، ومن قبل العراق ولبنان. كلها ملفات إقليمية وإن بدت خاضعة في ظاهرها لإرادة "الملك الشاب" إلا أن الأمور تجري بشكل معقد تفوق مستوى طموحه.

التيار الذي يقوده "محمد بن سلمان" يمكن اختزال فلسفته البلطجية/ السياسية في عبارة بالعامية المصرية مفداها" اضربهم قبل ما يضربوني"، وهوالإفراط في استخدام عبارات القوة و"الحسم" في منطق حديثه وتدخله المباشر في سياسات دول المنطقة بل والعمل على تغييرها بطرق شتى، وهو أسلوب أكثر مجرمي العالم تطرفا في إدارة سياسة دولته مع دول الجوار، وقد غاب عن "محمدبنسلمان" أنه لايمتلك القوة الكافية للمواجهة العلنية المباشرة في خوض حرب مع دول الجوار، وأن الرشاوي واستثمار المال النفطي مهما تكنز لديه لن يعطيه القوة الداخلية لحسم صراعاته بالمنطقة العربية.

وفي نهاية الأمر، فالوضع الإقليمي والعالمي لايبشران باحتضان مثل سياسة "محمد بن سلمان" القائمة على نشر الكراهية السياسية في العلن، والتي تعتمد في جوهرها حسب منطوق ابن سلمان على فتح جميع الأبواب للمواجهات كافة سواء على الصعيد الخارجي مع دول المنطقة أو على مستوى الداخلي في البيت الملكي لآل سعود. فضلا عن ظهور وتسيد طبقته على الطبقة القديمة في المجتمع، هذا وإعلانه بين السطور في فرض سياسة مملكته الدفينة منذ نشأتها في السيطرة على مقدرات الأمة العربية بالكامل مع تركيع وتقزيم دول الجوار.

كل هذه الطموحات التي روج لها الإعلام السعودي، والمصري المتحالف معه، والخليجي المؤيد له،والعالمي المرتشى، في تقديم"الملك الشاب الواعد" بصورة الناصر السعودي(!) لن تكون على أرض الواقع، ولن تنقل السعودية إلى عهد جديد بل ستتآكل ذاتيا إن استمرت على المنوال نفسه.

وعلى ابن سلمان أن يعي أزمته مع الوقت الحاضر التي يمكن اختزالها في "القوى الحضارية" فهو لايمتلك رصيدا حضاريا يؤهله لزعامة المنطقة وليس لديه إرث فكري تنويري يضعه ضمن صناع الحضارات الحديثة.. فضلا عن أزمته الحقيقية في اقتصاد منعدم الجذور من أساسه، هذا وقد تخلخل بالفعل النظام الاقتصادي السطحي للمملكة ووصوله إلى مؤشر التهاوي، وإن بدا متماسكا في الظاهر بإصلاحات ابن سلمان الترقيعية في رشوة طبقات شعبه في قطاعات مملكته التي تحتاج إلى معجزة إنسانية وحضارية كي تستمر إلى آخر هذا القرن.

المصدر: جهينة نيوز


أخبار ذات صلة


اقرأ المزيد...
أضف تعليق



ولأخذ العلم هذه المشاركات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع
  1. 1 عدنان احسان- امريكا
    8/7/2017
    17:34
    مقارنه عرجاء بين محمد بن سلمان وملك المغرب .. والسبب
    اولا ملك المغرب لم يخض صراعا لاستلام السلطه ، بل استلم الحكم بشكل مباشر- ثم ملك المغرب تلقى تربيه على ان يكون حاكما بدون صراع مراكز قوى - و ملك المغرب متعلم وخريج جامعات السربون ومندمج بالمجتمع ومنفتح علي المدنيه الاوربيه ، ولم يتخرج من معهد ليندرهيست البريطاني التي تخرج فقط الحكام القرده لذلك من الظلم مقارنه حاله الوعي السياسي في المغرب بالحاله التي يعيشها بهايم الخليج ؟ والمغرب العربي لديه مؤسسات ، واعلام، واحزاب ومعارضات وكل هذه المؤسسات ستنعكس علي شكل اداره الحاكم حتى لو كان ديكتاتور، والمقارنه هنا عرجاء ولكن الاهم من كل ذلك ان ملك المغرب نجح في استيعاب التيار الاسلامي واعطاه الحكم تحت سلطه عصى الملك وهذا اهم انجاز له سواء كان ذلك بحكمته او نصيحه من المخابرات الفرنسية
  2. 2 محمد طلعت
    9/7/2017
    09:34
    الهدف من المقارنة
    إن الهدف من المقارنة كما هو واضح رصد الأجندة الإعلامية وما تقدمه من هاله تصاحب تقديم الملوك والرؤساء للشعوب، بهدف تقريب صورة الملك أو الرئيس لذهنية العامة واستمالة عطفهم وتوجيهه مشاعر الحب والتأيد له... وهذا ليس فيه أي عرج أو نقد لحكم وشخصية الملك المغربي، فهو كما تفضلت يتمتع بالتعليم والحنكة والمهارة والذكاء في حكم بلاده كما أبيه بالضبط

تصنيفات الأخبار الرئيسية

  1. سياسة
  2. شؤون محلية
  3. مواقف واراء
  4. رياضة
  5. ثقافة وفن
  6. اقتصاد
  7. مجتمع
  8. منوعات
  9. تقارير خاصة
  10. كواليس
  11. اخبار الصحف
  12. منبر جهينة
  13. تكنولوجيا